مجد الدين ابن الأثير
423
المختار من مناقب الأخيار
قلت : حدّثني رحمك اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . قال : إني لم أدرك رسول اللّه ، ولم يكن لي معه صحبة ، بأبي وأمي رسول اللّه ، ولكني قد رأيت رجالا رأوه ، ولست أحبّ أن أفتح على نفسي هذا الباب أن أكون محدّثا أو قاصّا أو مفتيا ، في نفسي شغل عن الناس . قلت : أي أخي ! اقرأ عليّ آيات من كتاب اللّه أسمعها منك ، وأوصني بوصيّة أحفظها عنك ، فإني أحبّك في اللّه . فأخذ بيدي فقال : أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم . قال : ربي ، وأحقّ القول قول ربي ، وأحسن الكلام كلام ربي عزّ وجلّ . ثم قرأ : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الدخان : 38 ، 39 ] إلى قوله : الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الدخان : 42 ] فشهق شهقة ، فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشي عليه . ثم قال : يا بن حيّان ! مات أبوك حيّان ، ويوشك أن تموت أنت ؛ فإمّا إلى الجنّة ، وإمّا إلى النار ؛ ومات أبوك آدم وماتت أمّك حوّاء يا بن حيّان ، ومات نوح نبيّ اللّه ، ومات إبراهيم خليل اللّه ، ومات موسى نجيّ اللّه ، ومات داود خليفة الرحمن ، ومات محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى جميع الأنبياء ، ومات أبو بكر خليفة رسول اللّه ، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب . فقلت له : رحمك اللّه ، إنّ عمر لم يمت . قال : بلى قد نعاه إليّ ربّي عزّ وجل ، ونعى إليّ نفسي ، وأنا وأنت في الموتى . ثم صلّى على النبيّ ودعا بدعوات خفاف . ثم قال : هذه وصيّتي إليك ، كتاب اللّه - ونعى صالح المؤمنين - فعليك بذكر الموت ، ولا يفارقنّ قلبك طرفة عين ما بقيت ؛ وأنذر قومك إذا رجعت إليهم ، وانصح للأمّة جميعا ، وإيّاك أن تفارق الجماعة فتقارق دينك وأنت لا تعلم . ادع لي ولنفسك . ثم قال : اللهم إنّ هذا زعم أنه يحبّني فيك ، وزارني من أجلك . فعرّفني وجهه في الجنة وأدخله على دارك دار السلام ، واحفظه ما دام في الدنيا حيّا ، وأرضه من الدنيا باليسير ، واجعله لما أعطيته من نعمك من الشاكرين ، واجزه عني خيرا . ثم قال : السلام